الجزء الأول
كان الليل قد بسط عباءته السوداء على القرية الصغيرة، وسكن كل شيء إلا صوت الريح الخفيفة التي تمر بين أشجار النخيل، كأنها تهمس بأسرار لا يسمعها إلا من أرهقته الحياة.
في بيتٍ طيني بسيط عند طرف القرية، جلس يوسف ذو الأعوام الاثني عشر بجوار نافذة صغيرة، يحدّق في السماء. لم يكن يبحث عن النجوم للمتعة، بل كأن قلبه كان يسأل سؤالًا لا يجد له جوابًا.
توفي والده قبل عامين.
لم يكن الموت مفاجئًا فقط، بل كان ثقيلًا… ثقيلًا على أمٍ صابرة، وعلى طفلٍ صار عليه أن يكبر قبل أوانه.
كان والده، الحاج عبد الرحمن، رجلًا بسيطًا، لكنه كان غنيًا بشيء لا يُشترى: الطمأنينة.
كان إذا أذن الفجر، نهض قبل الجميع، وتوضأ في هدوء، ثم يوقظ يوسف برفق:
"قم يا بني، الصلاة نور."
تلك الجملة كانت تلاحق يوسف في كل ليلة.
تنهد الصبي، ثم أغلق النافذة، وتوجه إلى فراشه. لكنه لم ينم.
الأفكار كانت تتزاحم في رأسه: المدرسة، الفقر، نظرات الناس، وتعب أمه الذي تحاول إخفاءه خلف ابتسامة صامتة.
سمع صوت أمه من الغرفة المجاورة تقرأ القرآن بصوت منخفض:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
توقف قلب يوسف لحظة.
كان والده يردد هذه الآية كثيرًا.
في الصباح، استيقظ يوسف على غير عادته قبل الفجر.
جلس على حافة السرير، مترددًا، ثم قام وتوضأ كما كان يرى والده يفعل.
وقف يصلي، لأول مرة منذ شهور، دون أن يطلب منه أحد.
بعد الصلاة، شعر بشيء غريب… كأن ثقلًا خفيفًا أزيح عن صدره.
في المدرسة، لم يكن يوسف متفوقًا كالسابق.
الفقر سرق منه تركيزه، والغياب عن والده سرق منه الأمان.
لكن في ذلك اليوم، لاحظ معلمه، الأستاذ محمود، نظرة مختلفة في عينيه.
سأله بعد الحصة:
"مالك يا يوسف؟ شكلك غير."
تردد يوسف، ثم قال بصوت خافت:
"عايز أبقى زي بابا… بس مش عارف أعمل إيه."
ابتسم الأستاذ محمود بحنان:
"أبوك ما كانش غني بالفلوس، كان غني بالأخلاق. ودي أسهل حاجة تبدأ بيها."
كلمات بسيطة… لكنها دخلت قلب يوسف دون استئذان.
في طريق العودة، وجد يوسف محفظة جلدية ملقاة على الأرض.
فتحها بحذر، فوجد بداخلها مبلغًا من المال، أكثر مما تملكه أمه في شهر كامل.
توقف.
دارت معركة صامتة داخله.
صوت يقول: "الفلوس دي ممكن تساعدكم."
وصوت آخر يشبه صوت والده يقول: "الحرام عمره ما يبني بيت."
نظر حوله، فرأى رجلًا مسنًا يبحث بقلق، يتحسس جيوبه بيد مرتجفة.
اقترب يوسف وسأله:
"حضرتك ضايع منك حاجة؟"
كاد الرجل أن يبكي:
"محفظتي… فيها فلوس العلاج."
مد يوسف يده بالمحفظة.
لم يقل شيئًا.
لكنه شعر وقتها أن قلبه امتلأ بشيء أعظم من المال.
عاد إلى البيت.
استقبلته أمه بابتسامة متعبة.
ناولها كيس خبز صغير اشتراه من مصروفه القليل.
نظرت إليه بدهشة:
"ليه ما اشتريتش حاجة ليك؟"
ابتسم:
"أنا شبعان يا أمي."
في تلك الليلة، وقبل النوم، جلس يوسف في نفس مكانه عند النافذة.
لكن هذه المرة، لم يكن قلبه حزينًا كما كان.
رفع رأسه للسماء، وهمس:
"يا رب… خليني دايمًا أختار الصح، حتى لو كان صعب."
غفا يوسف.
وفي قلبه نور صغير… نور لم يكن يعرف أنه بدأ يكبر.
لكن الحياة… لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة بعد.