نور لا يُطفأ (الجزء الثاني)

الجزء الثاني

مرت الأيام، وكبر ذلك النور الصغير في قلب يوسف دون أن يشعر.
لم تتغير ظروفه فجأة، ولم تمطر السماء ذهبًا، لكن شيئًا في داخله صار أكثر ثباتًا.

بدأ يحافظ على الصلاة، ليس خوفًا ولا عادة، بل لأن قلبه صار يفتقدها إن غابت.
كانت أمه تراقبه في صمت، وفي كل مرة تراه يخرج إلى المسجد، ترفع يديها إلى السماء وتدعو:
"اللهم احفظه، واجعل فيه أثر أبيه."

في أحد الأيام، مرضت أمه فجأة.
حمّى شديدة، وتعب لم تستطع معه الوقوف.
جلس يوسف بجوارها، يمسك بيدها الصغيرة التي أنهكها الزمن والعمل.
شعر بالخوف… الخوف الحقيقي.

تذكر المحفظة.
تذكر المال.
تذكر كيف كان يمكن أن يكون الوضع أسهل لو اختار طريقًا آخر.
لكنه تذكر أيضًا وجه الرجل المسن، وراحة قلبه بعد أن أعاد الأمانة.

خرج يوسف مسرعًا إلى بيت الأستاذ محمود.
طرق الباب بخجل.
فتح المعلم، فوجد تلميذه واقفًا ودموعه محبوسة في عينيه.

قص عليه كل شيء.
لم يقاطعه الأستاذ، فقط استمع.

قال له بهدوء:
"يا يوسف، ربنا لا يضيع أجر الصادقين. هقوم أتصرف، بس إوعى تفكر إن الخير بيروح."

وبالفعل، ساعده المعلم، وساعده بعض أهل القرية.
لم تكن المساعدة كبيرة، لكنها كانت كافية.
وكأن الله يقول له: أنا معك… فلا تخف.

بعد أيام، تحسنت صحة أمه.
وعندما فتحت عينيها ورأت يوسف نائمًا بجوارها على الأرض، ابتسمت رغم التعب.
مسحت على رأسه وهمست:
"ربنا هيعوضك يا ابني… زي ما عوضني بيك."

مرت السنوات.
لم يعد يوسف طفلًا.
صار شابًا نحيل الجسد، قوي الروح.
كان يعمل بعد المدرسة ليساعد أمه، ويذاكر في الليل على ضوء مصباح صغير.

في الثانوية، بدأ التفوق يعود إليه.
ليس لأنه أذكى من غيره، بل لأنه كان يعرف لماذا يتعب.
كان يحلم أن يصبح طبيبًا، لا حبًا في اللقب، بل لأنه لم ينسَ يوم بكى الرجل المسن خوفًا على دوائه.

في ليلة امتحان مصيرية، شعر يوسف بالإرهاق.
فتح المصحف، وقرأ دون تحديد سورة.
وقعت عيناه على قوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾

ابتسم.
أغلق المصحف.
ونام مطمئنًا.

جاءت النتيجة.
كان اسمه بين الأوائل.
بكت أمه.
بكى هو.
لم تكن دموع فرح فقط، بل دموع امتنان.

مرت أعوام أخرى.
دخل يوسف كلية الطب.
الطريق كان شاقًا، والضغوط كثيرة، لكن كل مرة كان يتعب، كان يتذكر صلاة الفجر مع والده، وكلمته التي لم تمت:
"الصلاة نور."

وفي يومٍ ما، وهو في عامه الأخير، دخل المستشفى للتدريب.
كان يسير في الممر حين رأى رجلًا مسنًا يجلس على كرسي، يبدو عليه القلق.
نظر إليه يوسف طويلًا.

نفس النظرة.
نفس الخوف.

اقترب منه:
"حضرتك محتاج حاجة؟"

رفع الرجل رأسه، وحدق في يوسف، ثم اتسعت عيناه:
"إنت… إنت الواد اللي رجعلي المحفظة من سنين!"

ضحك يوسف في دهشة.
جلس بجانبه.
تحدثا طويلًا.

قال الرجل وهو يمسك بيد يوسف:
"اليوم ده ما كانش عادي. الفلوس دي أنقذت حياتي. ودعيتلك من قلبي."

ارتعش قلب يوسف.
فهم الآن فقط… كيف يعمل القدر.

في تلك الليلة، عاد يوسف إلى البيت.
جلس بجوار أمه.
حكى لها كل شيء.
ابتسمت وقالت:
"شوفت؟ الخير ما بيضيعش."

وقف يوسف عند النافذة نفسها.
لكن السماء بدت أقرب.
همس:
"يا رب… الحمد لله."

في صباحٍ جديد، خرج إلى المسجد.
كانت الشمس تشرق بهدوء.
شعر أن حياته، رغم بساطتها، كانت مليئة بالمعنى.

لم يكن غنيًا.
لم يكن مشهورًا.
لكنه كان مطمئنًا.

والطمأنينة…
هي النور الذي لا يُطفأ.
تعليقات